تأثير التوسع العسكري على التطور الثقافي

بلحاظ مراحل التقدم الحضاري العالمية نجد أنها تتأثر جدا بالامبراطوريات الأممية التي تحكم مساحات شاسعة من الأرض مشتملة على أمم و ثقافات مختلفة. فعلى سبيل المثال كان للفتح الاسكندري الذي وسع رقعة المملكة المقدونية حتى حدود الهند الفضل الأكبر في تعريف الشرق بمفاتيح اللغة و العلم و الفلسفة اليونانية و هو الأمر الذي ساعد في وصولها بعد ذلك الى العرب و المسلمين. و كان للتوسع الروماني كذلك الفضل في سرعة انتشار المسيحية و كذلك في ادخال اوروبا في العصور الوسطى. و ينطبق ذلك على توسع الدولة الأموية و الامبراطورية العثمانية و الامبراطورية البريطانية و حاليا الامبراطورية الاقتصادية الأمريكية. و لا يعني ذلك بالضرورة أن يكون لهذه التوسعات آثارا إيجابية على توسع الحضارات و القفزات الثقافية بقدر ما لها أيضا من آثار سلبية تؤدي أحيانا الى توقف السلم الحضاري لعدة مئات من السنين. و أيضا نجد أن القفزات الحضارية تكون محصورة بفترات معينة لا تلبث أن تلحق بسنوات من الهدوء الحضاري و العلمي و الفكري، و تلك الفترة عادة ما تمثل قمة ازدهار تلك الحضارة. و ما أعنيه هنا ليست القفزات الهندسية بل القفزات العلمية و الفكرية في تصور الكون و فهمنا إياه، بينما التطور الهندسي و التكنولوجي لا يتبع نفس التسلسل. فالتكنولوجيا قد تتطور الى حد أشبه بالخيال ثم لا يلبث أن تختفي فالهندسة وليدة خبرات تصنعها حاجات المجتمع.
ما أرمي إليه هو دور التفاعل الأممي (العالمي، المتعدد الجنسيات) في صناعة كل أشكال التطور الحضاري؛ أي أنه لولا ذلك الامتداد الحضاري لما تمكنت الشعوب من أن تضيف الى ذاكرة البشرية العديد من العلوم و الاكتشافات و الاختراعات. هذا الرأي يناقض و بشدة حصر الدور الحضاري في أمة بعينها أو شعب أو قوم بأعيانهم بل هو التفاعل و التداخل. هذا من جهة، و من جهة أخرى يلعب الاقتصاد الدور الأسمى في تحديد مسار النمو الحضاري. فالاقتصاد القائم على موارد الأرض يجعل أصحابه في عزلة عن الآخرين و بالتالي تكون فرص نجاة هندسته و فكره أقل من دول يقوم اقتصادها على الاستفادة من خيرات أراضي الشعوب الأخرى. و هو عادة الدافع الخفي للتوسع.
إن الانسانية تنطلق نحو نقطة توازن جديدة فبعد الأنظمة القبلية و الملكية و الامبراطورية و القومية و الرأسماية و الشيوعية و الاشتراكية و الاقطاعية و الدينية نجد أنفسنا في مواجهة شعورنا لأول مرة بتفردنا كجنس. أصبح الكلام يتعلق بالتنمية البشرية و العولمة و الحكومة العالمية و حقوق الانسان و المساواة. لا أوافق على اتخاذ الأممية كنظرة سياسية و لكن هل ستكون أدوات الأمس هي الحل لمشاكل اليوم؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s